الرئيسية / أدب / لا تعطين المرأة كتابا فتطلب آخر بأعنف الطلب
الوكيلي فاطمة الزهراء

لا تعطين المرأة كتابا فتطلب آخر بأعنف الطلب

رسمت سما على مذكرتها في ليلة الميلاد من السنة الماضية، خطة لتكون حافزا لها في كل يوم، جعلتها واجبا موسوما بالخط العريض.

رغم أن يومي يحمل العديد من الإنجازات الصغيرة التي لا تكتب ، و رغم أن عقلي عجول ،كثير التفكير و يرهقني، إلا أن مكونات الخطة حدّت من رعونتي، وخففت من عنجهيتي، ومنحتني الاحترام لنفسي،و شعور الرضا ،بذلك تخليت عن اللوم،العتاب تصويب الأخطاء، و ركزت أكثر على نفسي.

اعتمدت خطة سما على أن تنأى بنفسها لسويعات مع كتاب.

أحسست أن عقلي يضمر،إحساسي يبرد ، وإبداع مخيلتي في رسم الوجوه والأماكن تبلد…فقررت أن أضع تلفازي في ركن أسميته إثارة السأم، شرعت في وضع اللبنة الأولى مع شفرة دافنشي ، فتعلمت من هذه الرواية  خط الملامح البوليسية والغوص في بحث عن الدين المسيحي ومعتقداته ، و التعرف على المعالم الأوربية وتجولت  في أحداثها التاريخية،كما تسليت بالتمعن في لوحات ليوناردو دافينشي.

وما إن استطعمت سما القراءة ،واستشعرت دفء شمس الكتاب ،حتى حملت بين ذراعيها طفلا جديدا كان لسعود السنعوسي.

كانت رواية ساق البامبو ترجمة لما أراه من سطحية تغلب على مجتمعنا العربي المسلم،فنقدس البعد الديني دون إسقاطه على البعد الإنساني ، فكل اختلاف يزعجنا، و يجعلنا نضطرب ، تركت على جدار مكتبي قصاصة كتب عليا اقتباس من هذه  الرواية: في أذني اليمنى صوت الأذان يرتفع، في أذني اليسرى قرع أجراس الكنيسة. في أنفي رائحة بخور المعابد البوذية تستقر. انصرفت عن الأصوات و الرائحة و التفت إلى نبضات قلبي المطمئنة فعرفت أن الله..هنا.

وما أن فتئت تثبت اللبنة الثانية حتى سحب سما الفضول المتحول لحب وإعجاب بهذا الروائي، أن تقلب بنهم صفحات فئران أمي حصة.

تعلمت كيف أقيّم تجارب ومواقف شخصيات كل رواية ، فاقتبست من رائعة السنعوسي قراءة لحاضر ملغوم بالطائفية، يترنح بين كفتي السنة والشيعة… ثم صعدت مع كل صفحة بنظرة أكثر عمقا ألقيها على المستقبل ،أحسست أني لم أعد وسيلة للعبث، فلم أعد  أجري خلف القطيع، فربما يتجه إلى واد مقفر لا ماء فيه ولا كلأ.

شعور مبهم يبادر سما كلما انشغلت عن التعبد في محراب القراءة، كأنها مدمنة لرائحة أوراق الكتب، شعور لا تعي كيف تصفه، سوى لمن ذاق حلاوة ذلك الإدمان الممزوج بالنشوة، الحزن اليأس الفرح الغيظ والجنون.

فهرولت بعد يومها الطويل نحو هدية ثمينة، عنوانها  قواعد العشق الأربعون فكان الكتاب المدلل، سرعان ما كتبت عليه حتى قبل إتمامه: كتاب السنة المميز.

رواية صوفية بديعة تبحث في ماهية العشق وجوهره في زمنين مختلفتين، سحرتني قواعد التبريزي المنفتحة على مفاهيم فلسفية حول وحدة الشعوب والأديان، حول شغف الشعر وحول عمق الحبّ المدفون في كلّ فرد منّا. فتقلبت حياتي رأسا على عقب،  رسمت لنفسي رحلة للعشق استمتعت بتفاصيلها، وصرت كالماء أجد طريقي حتى بين الصخر لأصل في نهايتها إلى الخالق.

كانت كبرعم مثمر ،تغذي ، وتنشر زكاة المعرفة ،  شيدت في عقلها منزلاً، كان الوطن الزاخر  بالحكماء ، الفنانين، الرواة ورجال الدين مع رحابة عقولهم ، علومهم و حيواتهم ، منزلا كانت لبناته كتبا وقصاصات أوراق.. إلى أن انقضت السنة، بطي آخر صفحة من كتاب القرآن لفجر آخر الذي كان لسما بمثابة الناصح في السر، الونيس في العزلة ،والزخرفة التي زينت مجموع لبناتها.

مشاعري متضاربة، بين فرح لإتمام مشروعي الشخصي بنعمة قراءة هذا الكتاب، وبين حزني على انتهائي منه كأني ألفت عزيزا مغادرا.تركني بعد أن أهاج الأفكار في رأسي ،أيقض الشك في دواخلي بقرع ناقوس فضول المسلمة التي سلمت بما تعرفه عن دينها ونسيت أن القرآن مرجع وجب الوقوف عند  كل آية للتفكر فيها واستنباط مغزاها.

اقتبست سما ككل مرة رسالة هذا الكتاب : القرآن لفجر آخر ليس من أجل انتظار الفجر القادم.. بل من أجل الذهاب إليه.

نظرت إلى تلك الرفوف التي مازالت فارغة ، بسمت ثغرها ،ومسحت بحنو على الكتاب بين يديها.واسترسلت :

إن عشنا ألف سنة ! فلن نكتفي، الاكتفاء مدخل الهوان، وكلما زاد علمك تبين مدى جهلك.

مرحبا بعام جديد، ولبنات لمنزل أكبر !

الوكيلي فاطمة الزهراء – مهندسة صناعية، و مدونة ، شغوفة بقراءة الكتب، تهوى دراسة التاريخ ،الثرات ، و الحكاية الشعبية.تعد الكتابة حياة تلخص حلم الطفل،طموح المرأة وشجاعة الرجل

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*