الرئيسية / أدب / قهوة من تحت الركام : هاجر الحيوني

قهوة من تحت الركام : هاجر الحيوني

قهوة من تحت الركام

هاجر الحيوني

المـدفئة و السـريـر المقــابل للمكتــب , صورة الموناليزا المزيفة , قنينة الكولا المـرمية أرضا وبعــض من البطــاطس المقرمـشة في صحن ابيـــض وأوراق بيضاء و صفراء تزين أرضية الغرفة بشكل عبثي و الأقلام المتطايرة فوق الأريكة و الملونة بألوان الطيف كأنها في الأصل لطفل يتعمد تعلم دروس الزركشة  على حيطان الجيران خلسة منهم , و العصفــور في القفـص هنـاك يغنـي و ينشد قصيــدة وداعــي …

أتأمل هدية صديقة لي لم تستهويني كما اللحظة الأولى ، فعطر باريس أصبح يخدرني ضباب لندن لم يعد يثيرني و كلمات نزار لم تعد تغريني. وأنا أتأمل تلك الأشياء مستغربة كأني أراها لأول مرة .ربما لأنها أصبحت فعلا أشياء مهمة في حياتي فهي شـاهدة على كــل دقيقة ذكرى تجمعني بكل الأشياء و حتى باللاشيء  , فكل الأشياء في البداية تتغير و تتبدل وتصبح اشد قربا من المعتاد و المتوقع , كل الأشياء تفقد بريقها عند الامتلاك و تكون في قمة رونقها وهي بعيدة وكأنه بالبعد يكون جزاء الحرمان اللذة و الفخر بما هو غير مملوك.

 ربما هذا لا يشكل شيء سوى انه يبرهن على أنانية الذات و عشقها لتملك ما ليس مملوك لها وكأنها تبحث دائما عن غير الموجود حتى تثبت أنها موجودة , النفس الإنسانية تطمع أكثر مني ومنك ومنا, تريد كل شيء وكن على يقين أنها إن امتلكت الكون بأكمله ستطمع إلى أكثر,إن أعطيتها خبز فرنسا ستصرخ في وجهك قائلة أنها تريد خبز الجدة في القرية وان أعطيتها كتاب المنفلوطي كن على يقين أنها ستجبرك على قراءة كتب سارتر و ميكيافلي و إن أخذت  القرآن بين يديك ستظهر النفس الجديدة فيك التي تعلمك السرعة في القراءة و تجبرك على قراءة صفحة وصفحتين وبعدها تقول صدق الله  العظيم, مهرولا كعربي يتقمص دور الشغوف بأخبار حيفا و غزة .

النفس هي الكائن الوحيد الذي يجعلنا نستشعر الوحدة غصبا عنا و تطعمنا الحنظل إن اختلت بنا, تزين لنا ما ليس بين أيدينا لترحل عنا يوما ونجد أنفسنا لم نتلذذ بأي دقيقة من دقائق عيشنا.

النفس هي التي دفعت بسارة صديقتي إلى أن تبيع نفسها أملا في أن تشتري ملابس اغلي مما تملك زينب وتشتري عطورا أفضل من رانيا و أحلام و تتنافس و نرجس على أفضل المحلات لتصحيح عيوب النساء.

 عجبا لأمرها  وهي  في أحضان أناها و نفسها لا تطــلب سيــجارا باهض الثمن من نوع  “سترادافاريوس” أو “غوركا بلاك دراغون”  ولا حـتى “ايف سان لوران” ذاك الـنوع من احمـر الشـفاه الـذي تتســابق عليه نســاء من دول مختلــفة وكأن الأرض ماتزال بحاجة إلى مزيد من الألـوان الـداميـة , تطلب فقط ما يجعلها تبدو أفضل من رفيقتها .

النفس هي من دفعت الياس إلى أن يبيع رفيقته الأولى و يرمي بها في اقرب سلة مهملات جزاء بما عملت و لكي يريح ضميرا له لن يستشعر الحياة أبدا فمن وأد أنثى سيأتي يوم توؤد فيه اعز أنثاه  ومن يغتصب بريق فتاة فليكن على يقين أن الأرض خلقت بيضوية الشكل لشدة عدل الإله فما تفعله اليوم حتما يوما ما ستجزى به ومن صفعك اليوم كن على يقين أن الصفعة سترد له صفعتين  فأيام الذل يا رفيقتي ولت مع أشخاص تكبروا وأعلنوا الرجـولة ,لأجـدها تتسكع بعد حديثنا  كـلص يبـحث عن حـقيبة نـسائـية

وعـندما تفـتحها تجدها مـليئة بالذكـرى. فالذِكـرى هِــي الزائِـر الــغَريبْ الــذي يَطرق أبوابنا كلـما أحس أننا علــى وشـك استضافة النسيان, الـذكرى إنسانة تتــعمد العــودة محـملــة بملابس شـتوية و مثلجات صـيفية و كأنها تـرغمنا على تذكر كل الفـصـول. تحـبنا فجـأة لنجد أنفسنا ضائـعين بيـن حاضـر غريــب و مستــقبل اغــرب و لا يســعنا ســوى أن نــرمي أنفسنا في احضان الماضي و نعود محملـين بالنسـيان ولا نعـلم حينهـا أنها تتلذذ بلحظة الاحتضار.

أخبرتها بأن لا تبكي أبدا على الرحيل فربما دعوة من الدعوات لك بالخير قبلت من الإله وابعد عنك شر مكروه ,ابعد عنك اليأس في صورة إنسان.

 النفس هي من جعلت جارتنا لا تبـحث في الكـتب عن أشهر صــباغات الشعر لتغـطي ذاـك البياض الشــاهد علـى ما تـذوقته من طعم غـربة و مـرارة رحيل و كأنها كانت متواجدة هاهنا منذ سنين خلت , أحببت حبها للقراءة وعشقت تلك الخصلات الرمادية اللون  المتدلية  على وجنتيها اللتين حفر فيهما الزمان سهولا وتضاريس من التجاعيد و بجانبها العصفور يزغرد لها مرات في اليوم وكأنه يزفها في كل ليلة إلى كتاب جديد .

النفس هي من تتلصص علي وأنا أتحدث وصديقتي من حيفا التي تشـعر وكـان نفـسها خانـتها وحـرمتها السجود في أرضها وهي تسألني ما الوطن؟ وكيف للأرض أن تتجشأ موتاها؟ وما معنى أن لا تكفني ابنك بالأبيض؟

كل ما اطلبه منها أن تكف بكاء . فتصرخ قائلة كـيـف لا أبـكـي حـظـي الـذي رمـى بـي إلى هـنـاك , وكيف لحـالتـي أن تكون عندما اكتشف أن كأس القهوة ملكي لم يعد لي, وان كسرة الخبز سرقت من يدي , أن عصفور دارنا هز الرحال فقد أزعجه صوت القنابل و المدافع , كيف لي أن لا ابكي وأنا أتلمس يد أختي المقطوعة هناك ورأس ابن عمي المهشم أمامي و البيت الذي سقط بالأمس كان لأعمامي , كيف لي أن استنشق عبق الأرجوان و النرجس و الأقحوان و رائحة الدماء تتجول علنا في مدينتي و أرجاء ذاتي , كيف لي أن لا ابكي وأنا أرى أشباه رجال يتبولون على سراويلهم خوفا من السيدة التي تطعمهم, تأويهم ولربما يعتقدون أنها من ترزقهم .

كيف لي أن لا ابكي وان أرى حكام بلادي يتجولون كالمومس  يبحثون عن جنرال يحميهم وعن دار تستر ما باعوه ليلا , كيف لا ابكي  و الملايين من بلدتي على الجوع تنام و تحكي قصص الموت لأبنائها وتطعمهم البطولة على شكل كلام. تاملتها جيدا أمعنت النظر فيها كأني أراها لأول مرة . كـان لا يـمكن لنفسي حينها أن تقول ما يفيد النقيض.

 نفسي سألت نفسها أسئلة لا يمكن إلجامها ولا إخراسها, أسئلة أمعنت الحـفر فـي الوجـدان و كتـبت أكـبر علامة استفـهام تلوح في الأفق و تنمق لتُكتـب عـلى صيغة ما الوطـن…؟

أخبرتني ذات ليلة أن كل ما كانت تريده هو أن تطـبق المـثل الصيني الذي يقول “انه قبل أن تنتصر على الوحش يجب أن تجعله جميل”

 فاكتـشفت أن الوحـش الذي تريـد تجمـيله قد زيــن  نفسه  كعروس في السبعين غطت عيوب بـشرتها بصـباغات ملـونة يطـلق عليها اسم ماكياج , فاعتزلت حبـها للوحش و فضـلت أن تخر منهزمة أمامه .

معها و مع نفسي أصبحت تلمـيذة للأمـزجة فانا كل يوم على مزاج ثـارة أجـدني أحـب الوطن فيـها و ثارة أخرى أجدني أكره اللعب بالأرجـوحة و مـرات اشـعـر وكـأن للمطر لـون, و في بعض المرات أفضل أن أنام لكي لا استيقظ على وحـش يحمل شـكل وطـن  يقـتل و يجــهض كل النساء الحـبليات بالأمل .

نفسي هي التي تؤنبني وأنا اسمع صوت عمي حسن وهو يقرأ بصوت ملائكي فـقرة أدهشتني من كتـاب المهـدي المـنجرة “في السـابق كانـت هنـاك منـافسة في المـيدان الإمـبريالي بـين فرنـسا وبريـطانيا وإيطـاليا وألمـانيا والبـرتغال وإسـبانيا، لكـن الآن هنـاك استعمار واحد مسير من مكان بعيد والبقية تسمع وتطيع” تراني الآن عرفت عن ما تتحدث رحمة الله عليك .

ودوري كان هاهناك سوى أن استمع إليه ككهل يعلمني فلسفة الزمن و اكتب ما يجود عليه بـي من أفكار نارية و تحليلات استشفها بصمت فجائي فالمسـكين كان شيخا يرثـي وداع ابنه في كل فقرة من فقرات كل كتاب , يرثي حاله الذي أصبح عليه بعدما دمـر الجـيش مسـكنه ليشــد الرحال إلي بلـدة أخرى هارب من حيف الزمن وظلم الأشباح .

النفس الخائنة فينا هي من جعلت البعض منا يتقبل رائحة الموت التي تُبعث من تحت الركام, ويرى الظلم و لا يقشعر له بدن , هي التي تسمح لنا بان نسرق لعب الأطفال و نغتصب أحلام نساء و نقتل الكبرياء في الرجال ,

فأرجوكم بلغـوها أن ترحل عنا وتطعمنا السلام بلغوها  أن كل ما نملك من  مخزوننا و ممتلكاتنا قلـم و زهرة , مذكرة و بضع جرعات دم وقهوتنا تشرب دائما من تحت الركام .

  هاجر الحيوني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*