الرئيسية / أدب / هاجر الحيوني : قهوة جمعت درويش ودافنتشي

هاجر الحيوني : قهوة جمعت درويش ودافنتشي

قهوة جمعت درويش ودافنتشي

قهوة جمعت درويش ودافنتشي

نعم يا رفيقي، القلم أيضا يمرض بمرض التلعثم، أعراضه واضحة لا تظهر إلا لأصحاب الدّهاء والفطنة، تكرارفي الكلمات وكأنه يكتب نصّه الموسيقي بحروف “الهيراجانا” اليابانية..يرفع من صوت مقاطعه الخالية من أيّ حلاوة. وأنت تتذوق الطبق، تشعر برغبة كبيرة في تجشّؤ ما جاد به عليك. لا لون ولا صيت يكونان لكلماته حينها.. تشعر وكأنها ترقص رقصة “الفلامينكو” على’ أنغام إفريقية. كما ترتفع درجة حرارته ويفيض الحبر حينها على كلّ أوراقك البيضاء فوق سطح مكتبتك..

حينما يمرض قلمك لن تجديّ معه نبتة الينسون نفعا ولا دواء “السّوبرادين” لتهدئة أعصابه ولا حتى “الأسبرين” لعلاج أمراض الحمى والألم التي يعاني منها ليلا.فحاول أن تعتنيّ به كما تعتني بقطتك البيضاء.. و”الهامستر”، الذي يؤنسك، حاول أن تكون وفيا له كما وفيتَ لأول قصة حب عشتها في مرحلة دراستك الثانوية..حاول أن تجعل له المكان الأوسع في قلبك، في كيانك ووجودك، لأنه يخشى الأماكن الضيقة ويصيبه الاختناق.. يحبّ الأماكن العالية ويقفز ليتنطط على كل مواضيع الساعة إن أنت بادلته الإخاء. كن رجلا وعبّر بصدق أو اصمت، فالصّمت رحمة ودواء للشفاء من مرض اللامعرفة..

كانت هذه بعض نصائح صديق لي بعدما سألته ألا تمرض الأقلام؟

 قررت أن أكتب ما أبكاني سرا وما أضحكني علناً.قررت فجأة أن أكسر الصمت الذي سيج أعماقي، أن أذيب كلّ مخلفات بني البشر في حمض النتريك وأحيك عباءة مزركشة من حروف خرساء عساها تصرخ يوما.

شفي قلمي من مرض لازمه لمدة ليست بالهينة.أصابه الشلل بعد اصطدام بينه بين الذات. أثرت الصدمة على دماغه. فقدَ حينها القدرة على الكلام.عودة حلوة لك يا قلمي بين أهلك الثلاثة، فالإبهام اشتاق إليك وبكي الليالي الطوال من أجلك، والسبّابة أبتْ أن تخونك مع غيرك، لا تشعر بالفخر بعد بعدك إلا عند الصلاة، وحينها تأخذ الحيز الأكبرللدعاء لك، تجدها فرصة للخلوة معك.. الوسطى كانت ركيزتك، وعندما مرضت بقيتْ بلا ركيزة،فأنت السند والفخر والمجد لها جميعاً.

نبشتُ في ذاكرتي، حفرت أرضي أمتارا كثيرة نحو الأسفل. وجدتُ أن مخزون مشاعري قد تَبدّد كما تبدد مخزون أهلي من الماء والقمح والنفط.انقطع رابطي حينها بين المشاعر.تكدّست اللامبالاة في أكياس بالية لا لون لها، سأرميها في أقرب سلة مهملات مليئة بالهرطقة..

تمزّق الحبل السّـُري الرابط بيني وبين الواقع، لأجدني ألعب سرا بلـُعب أخي ذي الخمس سنوات. أدمن شرب القهوة الحلوة وأكل الخبز المحمّص وأتأمّل لوحات “الموناليزا” و”الطفل الباكي” و”العشاء الأخير”.. أتخيل نفسي وأنا أحتسي قهوتي المسائية مع دافنتشي ولمرانت وبكاسو. نتناقش ونطرح أسئلة من هذا القبيل: لماذا كره درويش يوم الأحد؟ ولِمَ أحَبّ نزار كل النساء ولا واحدة منهنّ اعتبرته خائنا؟! وكيف أفرَدَ عبد الرحمن منيف كل خيوطه وجعلها متحرّرة في اتجاه عوالمها الصّغيرة، كما قالت عنه الناقدة اللبنانية يمني العيد؟ وما سر نسبية إنشتاين؟ وكيف لسارتر أن يفهم الوجود؟ وهل لم ينتهِ العمّال من بناء مدينة أفلاطون الفاضلة إلى يومنا هذا؟ وما إشكالية الفلسفة والسياسة عند هابرماس؟ ولماذا عنونَ نجيب محفوظ روايته بـ”اللص والكلاب” وليس “الكلاب واللص”؟!..

ومن الهذيان ما يعجب، والخيط الفاصل بين الحقيقة والوهم يتحقق بجرّة قلم.فقد شفي قلمي بعدما تحطم إنائي الصّدئ واستنشقت عطر جون ويبستر، المحمّل بدراما لا يظهر منها في مسرحياته إلا القليل،فقد صدق عندما قال “كل الأشياء قد تساعد الرجل المُحطـَّمَ لأن يسقط” ولكني خنته علنا مع ما قاله عبد الرحمن منيف “علينا الآن أن نواجه رهانات ما تبقى من عصر النفط وما بقي من الزّمن الذي كان واعدا وذهبيا”..

 

هاجر الحيوني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*